حليمة الإسماعيلي قراءة في رواية “رجال العتمة”. * بقلم : المصطفى فرحات – ناقد مغربي –

24

حليمة الإسماعيلي

دراسة نقدية تم نشرها اليوم الثلاثاء 26 يونو 2018 بصحيفة ” الحياة الجديدة ” الفلسطينية قراءة في رواية “رجال العتمة”.
* بقلم : المصطفى فرحات – ناقد مغربي –
—————————
الجـــــــــــــــــــزء الثالـــــث
—————————
الأمكنة التي احتضنت هذه الوقائع ليست مجرد جغرافيا فحسب بل فضاء يحتضن الشخصية بكل أبعادها الإجتماعية والنفسية. ولسنا هنا باستقصاء كل الأمكنة الواردة في الرواية بل سنقتصر على البعض منها لنبرز تلك الأبعاد.

1. مدينة جرادة: هي مدينة الكبرياء والأحلام والآمال الهاربة والثورة والنضال من أجل الكرامة والكفاح من أجل لقمة العيش وقد ارتبطت بوالدها الذي مات داخل مناجمها وكان الحدث سبب الأزمة النفسية التي تعاني منها إيمان.
2. مدينة مراكش: مدينة العمل وكسب قوت العيش، وهي أيضا مدينة الغرابة والفرح الخجول ومسقط الروح والتأمل والتسامح، تحتضن كل الأديان والأجناس والأعراق.. مدينة الابتسامة والنكتة. عانقتها إيمان بحب، رغم معاناتها النفسية فقد وجدت في فضاءاتها ما يواسي ويمنح الأمل.
3. مدينة الصويرة: المدينة المتشحة بالزرقة، مدينة الإبداع والفن والجمال والرومانسية والحب. بحرها يشحن القلب ويلهب العواطف وجعل الحب ممكنا. اكتشفت إيمان في هذه المدينة أنوثتها في كمال بهائها وروعتها ولم تتردد في الاحتفاء بها.
4. غزة: تتأسس العلاقة بين الساردة وغزة وفق تطور أحداث الرواية. اعتبارا بأن غزة موطن زياد فقد كان هذا العامل كافيا لتحب هذا الوطن بل تعلن انتسابها إليه، ويتعمق هذا الإحساس بعد سفر زياد إلى غزة وانقطعت أخباره بسبب الحرب التي شنها العدو الصهيوني عليها. تقول متعاطفة مع محنة غزة: “ها أنا فجأة أنتسب إلى شجرة عائلتك لأصير فلسطينية الهوى والهوية فأحس أني غريبة في وطني الآمن” (الرواية: ص 196).
إيمان لا تعرف غزة إلا من خلال الصورة التي تقدمه وسائل الإعلام وهي ترصد الأحداث المأساوية التي تعيشها غزة، إنها تتفاعل مع هذه الأحداث بقلبها وهي ترسم صورة قاتمة للأوضاع. وبعقلها وهي تحلل لتفهم وتستوعب ما يجري.. لماذا يسكت المجتمع الدولي عما يحدث؟ وتزداد الصورة قتامة من خلال شهادة ومشاهدة زياد الذي يوجد في قلب المعركة وهو يصف لها ما يقع بالتفاصيل.
غزة لا تحتضن عشق إيمان الأسمى فحسب، بل إنها تحمل كل معاني التضحية والنضال والمقاومة من أجل التحرر. إنها الأرض التي لن يتمكن العدو الصهيوني من اقتلاع جذور أهلها المتشبثين بالأرض والمستعدين للتضحية مهما بلغ حجم هذه التضحية.
يقول زياد في رسالة لإيمان: “لم نعد نخاف الموت، أصبحنا نتعايش مع الموت” ( ص 216).
والمتأمل للصورة التي تنعكس في مرايا الرواية سنجدها قاتمة: الجثث المتفحمة في كل مكان، موت عائلات بأكملها، الدفن الجماعي السريع، قصف المقابر، الجوع، المرض، الحصار، الدموع…. غزة تدافع عن وجودها بما تملكه من إمكانيات أهمها : إرادة البقاء. جاء في الرواية “غزة الآن وحيد، بدمها، ببحرها، ببرها، بعتمتها” (الرواية: ص 198). هذا الوضع قتل في إيمان كل معاني الفرح.
لم يُكتب لحبها أن يكتمل، لقد باح لها زياد بالسر الذي أخفاه بعناية ولمدة طويلة، ورغم وجع الحقيقة، فإن غزة وزياد وإيمان شكلا واحدا، لذا فهي تتساءل باندهاش وانكسار: “هل تصدق غزة كم أحببتك يا زياد ؟..” (الرواية: ص 232).
لا يمكن فصل الزمان على المكان لذا سنحاول رصد جانبا من اشتغال الزمن داخل الرواية، وعلى هذا الأساس أمكن تقسيم الزمن إلى نوعين:
الأول: الزمن الخارجي أو الزمن العام: وهي الفترة الزمنية التي استغرقتها أحداث الرواية ككل. فعندما نتتبع مقاطعها ونرسم خريطة نتتبع من خلالها رحلة البطلة إيمان في الحكي اعتمادا على التقطيع المفصلي الذي اعتمدته الساردة نحصل على الشكل التالي:
• قبل دخول العام الجديد: (من المقطع 1 إلى المقطع 3)
• دخول العام الجديد: (من المقطع 4 إلى المقطع 14)
• العطلة: (من المقطع 15 إلى المقطع34)
• العودة إلى العمل: (المقطع 35 إلى المقطع 40)
• السفر إلى الصويرة: (من المقطع 41 إلى المقطع 50)
• العودة إلى مراكش: (من المقطع 51 إلى آخر الرواية)

ما يستنتج من خلال هذا التقسيم إضافة إلى إشارات زمنية أخرى لها دلالاتها في سياق التجربة الروائية (شهر رمضان، عيد الفطر، أيلول…) أن أحداث الرواية لم تستغرق وقتا طويلا، قد تقدر بنصف العام أو أقل بقليل. وهذا يدل على حضور عنصر التكثيف بالنظر إلى حجم الرواية.
ثانيا: الزمن الداخلي أو زمن الحكي: يلاحظ أن التقطيع الزمن السردي تجلى بمستوياته الثلاثة:
1. الزمن التتابعي: وفيه تنتظم الأحداث بشكل متسلسل ومنطقي يرتبط اللاحق بالسابق هو الذي شكل الحجر الأساس في الرواية.
2. الزمن الاستباقي: حيث تعمد الساردة إلى استشراف أحداث المستقبل عبر إشارات لغوية دالة مثل (نصف ساعة يطل العام الجديد… ص 17)
3. الزمن الاسترجاعي: فيه يتم استحضار أحداث الماضي عبر تقنية الفلاش باك مثل (هل تذكر يوم سألتني عن أحلامي… ص 23).
الشكل ليس محايدا لأنه يدخل في ترتيب فوضى الواقع والعلاقات بين الشخوص/القوى الفاعلة، وتوجيه الرؤية للعالم. لذا اشتغلت الكاتبة على الشكل/البناء الروائي معتمدة تقنيات الحكي المتنوعة التي أتقنت توظيفها بكفاءة منها:
1. اللغة: فهي تحبل بالشعرية التي تسمح بترجمة رؤى غائمة تفيض بالأحاسيس المنفلتة في سعي الساردة للقبض على الغامض والمعتم في ذات الكاتبة وشخصيات الرواية. إنها لغة الاستعارات والمجازات والتعابير الصوفية المشبعة بالإيحاءات والرموز والإشارات والإحالات. فالألفاظ والجمل تتدافع فيما بينها وهي تتوقد حنينا لعالم روحي محفوف بالأسرار.
2. تقنية الرسائل: تلتقي رواية “رجال العتمة” مع “الرواية الرسائلية” التي ازدهرت في أوروبا قبل القرن الثامن عشر في رواية الأحداث عبر سلسلة من الرسائل المتبادلة بين الشخصيات رغم أن هذه الرسائل تتم عبر وسائط إلكترونية حديثة وتفقد إلى ما يميز الرسائل التقليدية. والرسائل شكلت دائما جزء من بناء الشبكات الاجتماعية والعلاقات الإنسانية وهو ما تجلى واضحا في الرواية.
3. تقنيات متتنوعة: ولأن الهدف من هذه القراءة هو إلقاء الضوء على جوانب من الرواية فإننا سنشير إلى بعض التقنيات الأخرى الحاضرة في بنائها دون الخوض في تفاصيلها، ومنها الحوار بنوعية الداخلي والخارجي، والوصف وتعدد الأصوات الكاشفة عن العالم، وطغيان صوت الذات الساردة الذي يتماهى بصوت البطلة إيمان…
علي سبيل التركيب
“رجال في العتمة” رواية تحتفي بالنزعة الإنسانية التي تتوخى كسب تعاطف المتلقي مع الشخصيات لتفهم أفعالها ومساراتها ومقاسمتها مصيرها. ولقد نجحت الكاتبة في كسب رهانها. فالعتمة التي نخشاها لا وجود لها بل الإنسان هو من يوجدها، هو من يمنحها شكلا وحجما ومدى ويحشوها بالمعنى واللامعنى.. العتمة تتشكل في أدغال النفس والروح تتوغل بعيدا في المشاعر والرؤى، وبعد أن تتضخم تطل برأسها نحو الخارج لتعمينا عن جذورها ومنبتها ليصعب اقتلاعها. كما أن النور الحقيقي لا يوجد خارج ذواتنا، إنه في أعماق أعماقنا، وحدهم المحظوظون، من يملكون البصيرة يتمكنون من رؤيته والتعرف عليه والاهتداء به في حياة مترعة بالأمل والحب والسلام النفسي.. إنها لعبة العتمة والنور التي تلعبها حواسنا في غفلة منا..

شاركنا رأيك

اترك رد