عين على الثورة / 7- بقلم :أحمد مبارك بشير

عين على الثورة :

مرافق الرئيس القاضي !

اللقاء السابع   

 

 

أتساءل دوما هل نقرأ التاريخ ، هل نتحقق من تلك الروايات التي تنتشر بيننا ، فجأة نكتشف انها مجرد حكايات جميلة ، الا ان التاريخ يحمل وجها آخر للحقيقة ، ومازلنا نقرأ بعين الثورة عن أحداث الستينيات في اليمن ، لنكتشف ان هناك رابط خفي ، رابط ما مازال يربط أحداث اليوم بأحداث تلك الفترة ، لا زلت مثلكم ابحث عنها ، لنكمل البحث معا في لقائنا المتجدد مع مرافق الرئيس القاضي الحاج يحيى المتوكل غفر الله له وتقبله في الصالحين ، مرحبا بكم : :

–         مرحبا بك استاذنا القدير ، انتهينا في لقاءنا السابق مع قرار المعارضة التوجه الى مصر للقاء الزعيم ناصر ، وقبلا سردنا اهم الاحداث المتلاحقة التي مرت بعد عودة الرئيس السلال ، وإدارة المخابرات المصرية للتعامل مع من اسمتهم المرتزقة ( عملاء البعث ) والملكيين فيما عرف بخطة (النفس الطويل ) ، تحدثنا عن محاولات إعادة الود بين الجبهة القومية و منظمة التحرير في الجنوب ، والتي انتهت بتكوين هلامي لم يدم ، وماذا بعد ؟ .

الكوكباني :

–         نعم بني ! ، كما اخبرتك بعد ان وصل الوضع الى اعدام عدد من المعارضين في ساحة التحرير صنعاء ، تقرر التحرك فورا وبدون تردد ، فالكل على قناعة ان الزعيم ناصر لا يصله أي شيء من الاخبار الصحيحة هنا ، تشكلت البعثة من 48 شخصية شملت وزراء وأعضاء المجلس الجمهوري وعدد من الضباط العسكريين ، كان في الوفد الفريق العمري ، وكل أعضاء المجلس الجمهوري على رأسهم القاضي عبدالرحمن الارياني والأستاذ احمد محمد نعمان والأستاذ محمد علي عثمان كان ذلك في سبتمبر 1966 م ، بدأ عبدالغني مطهر يقود حملة هجوم من إذاعة صنعاء على الفريق العمري وحكومته والمجلس الجمهوري واصفا إياهم بالمرتزقة ، بل وأفاد بخبر القبض عليهم جميعا في مطار الحديدة ، وصفهم ايضا بالمرتهنين للإمبريالية . وصف العمري (بالازرق ) والارياني (بالابيض ) و نعمان (الأسود )  وان الجميع سيقدم لمحاكمة الشعب ، الذي لن يرحم هؤلاء ، في ذات الوقت بدأت حملة اعتقالات واسعة للشباب المثقفين وأصحاب الرأي وعدد من الضباط الاحرار ، بل شمل الاعتقال وزراء ومشايخ و نقباء .

انا :

–         دخلتم في فترة عصيبة ، هل الثورة تبطش بأبنائها ؟  .

الكوكباني :

–         للأسف أبناء الثورة وليست الثورة  ، كانت ما يزيد عن 6 اشهر ، كانت البيانات الرسمية الصادرة عن الرئاسة السلال والقيادة العربية في صنعاء ، ان الثورة تحمي نفسها من الإرهاب ، فمارسوا الإرهاب والعنف ، وفتحت السجون ولم تغلق  .

انا :

–         وصل الوفد ، ام تم عرقلته !!  .

الكوكباني :

–         بل وصل الوفد الى مصر و تم القاء القبض على الجميع وتم جرهم الى السجون ، ولاقى الفريق العمري الوانا من التعذيب   .

انا :

–         الجميع !!!!  .

الكوكباني :

–         تم استثناء القاضي الارياني والقاضي صبرة والأستاذ حسين الدفعي ، فتم وضعهم تحت الإقامة الجبرية.

انا :

–         هل يمكن القول ان الاستثناء جاء لكبر سنهم ، او لموقفهم في مفاوضات حرض للسلام ؟…..

الكوكباني :

–         كلا الامرين اظنه صحيحا ،

 

انا :

–         ماذا كان دورك ، هل توجهت معهم ؟

الكوكباني :

–         لا ، امرني القاضي بعدة مهام ، منها تسليم البيت المؤجر الذي كان يقيم فيه في صنعاء ، وتهريب عدد من الأشخاص من صنعاء ، منهم القاضي محمد الارياني ومطهر الارياني ، يحيى الديلمي وعلي صبرة ، وعبدالرحمن شجاع الدين ، رافقهم في خروجهم من صنعاء شقيقي احمد الكوكباني  ،

.

أنا :

–         شقيقك الذي استشهد في حصار السبعين ، تقبله الله في الشهداء الابرار .

الكوكباني :

–         آمين !  ،

انا :

–         الاحداث لم تنته هنا  ،

الكوكباني :

–         نعم ، تصور 5000 شخصية قيادية ، دولة بأكملها زجت في السجون بين القاهرة وصنعاء وبيروت ، عدا ان عواصم المدن اليمنية الرئيسية تعرضت للإرهاب والاهانة ، في تعز مثلا تم نهب الكانب الأمريكي بالكامل في ذروة التفتيش عن الإرهابيين والبعثيين ، الكانب كان مقرا البعثة التي تنفذ مشروع ميناء تعز ،وكانت هناك حوادث وهمية لايجاد حجة للتفتيش والمزيد من الإرهاب ضد المعارضين  .  

انا :

–         مثلا !!.

الكوكباني :

–         نعم، احداث كثيرة منها ، احراق السفارة المصرية من قبل جنود مصريين ويمنيين معهم ، لحقها حملة اعتقالات وتفتيش ، مثال آخر في الجحملية بتعز ، حيث تم تفجير قنبلتين ، تبعها نزول العقيد عبدالقادر الخطري من صنعاء ، تبعها حملة من الامن المركزي بتفتيش كل بيوت الجحملية ، والتي تسكنها اسر اغلب المساجين او الفارين من ملاحقة عصا السلال .

انا :

–         اليس من الغريب ان كل هذا ومازلنا نقول ان الزعيم ناصر لا يعلم بشيء !!

الكوكباني :

–         لا يعلم بالطريقة الصحيحة ، هذا ما كان يؤكده لي القاضي الارياني ان المعلومات التي تصل الى الزعيم ناصر تغير وتبدل ، ويتم وضعها في نسق يفهم منه الزعيم انه امام حرب من قبل البعث على حلمه العربي ، هؤلاء من استمر في خداع الزعيم لم ينتبه لهم الا بعد احداث النكسة .

انا :

–         ربما يمكن القول ان الزعيم ناصر كان يريد ان يثبت قدرته على التحرك ضد عدوه الذي خسره حلمه  في سوريا والعراق  ..

الكوكباني :

–         ربما من هذا القبيل  ،.

انا :

–         رغم محبة الزعيم ناصر واعزازي له ، الا انه في ظني كان لا ينصت الا لمن يقدم له ما يقوي او يؤكد أفكاره الخاص ، وهذا موقفه مع معارضيه من ابرز تلك المعارضات احد الضباط الاحرار الأستاذ  كمال الدين حسين ، رغم معزة الزعيم له الا انه في الأخير وضعه تحت الإقامة الجبرية 1965 لمخالفته لرأيه ، هذا ما اظن ، ان الزعيم لم يكن منصتا جيدا للآخرين .

الكوكباني :

–         ربما اتقبل منك هذا الكلام اليوم ، الا اننا لم نكن نظنه ابدا من قبل ولم نفكر به ، فمن تحب ترى اخطاءه عثرات مقبولة  .

انا :

–         نعم استاذي ، دعنا نعد وماذا أيضا من احداث ؟  ،

الكوكباني :

–         جاء الامر من السلال وانا في تعز بتسليم سيارة القاضي الارياني من بيته وحاولت الامتناع عن تسليمه ، الا انني تراجعت وسلمتها وكان امر التسليم لزميل  معروف حيث أبلغت العسكري المستلم ان يبلغ الأخ مفرح برسالتي اليه بقولي : قولوا للاخ مفرح مادام الزمالة وصلت لهذا الحد ، فو الله ما اخذ بدالها الا سيارة السلال الشفر . اخذوا السيارة ثم عادوا واخذوا السيارة الثانية ، وحاولوا اعتقالي الا انني اختفيت في بيت مجاور ، ثم هربت الى صبر منزل الشيخ محمد عثمان .

انا :

–         هل استمر الفراغ الحكومي ؟   .

الكوكباني :

–         لا !  شكل السلال الحكومة تحت رئاسته .. و في تلك الفترة كنت قد وصلت الى اب لدى الشيخ صالح الرويشان .

انا :

–          … موقف الملكيين من الاحداث اكيد انها فرصتهم ؟

الكوكباني :

–         طبعا المعارك مستمرة رغم الاحداث ، ومن جانب اعلامي وعبر إذاعة الملكية من نجران عبروا عن شماتتهم من الاحداث ، بل واذاعوا احتفالات أقاموها في جيزان وصعدة ، وبثوا قصيدة لأحمد الشامي ، ومنها ما اثار سخط الجميع وفهمه البعض بأنه تكفير لليمنيين جميعا قال :

              أبعد محمد وبني علي تبايع بالخلافة كوسيجنا

انا :

–         محتوى القصيدة مليء بالعنصرية ، أنه استمرار الكذب على الله في الشرف والنسب ، وبخلاصة القول :  لا يفوق بشريا بشريا آخر لا في النسب ولا في الحسب فقط في العلم والعمل الصالح … التقوى في القلوب والجهر منه صالح العمل…. !!!

الكوكباني :

–         تعجبني تلك العبارات التي تكررها دائما ، الدولة للجميع والجميع وطن  .

انا :

–         اشكرك استاذي ، نعم حلمنا دولة المواطنة لا دولة الاسياد والعبيد  ….

الكوكباني :

–         كلنا ذلك يابني ، .

انا :

–         عذرا للمقاطعة وما تلى تلك القصيدة لأحمد الشامي  ،

الكوكباني :

–          تلك القصيدة ازعجت حتى القيادة في صنعاء ، ولذا اول ما وصلت رد على القصيدة من الأستاذ مطهر الارياني وهو الهارب من الاعتقال في وادي حور الجوف، لم تتردد الإذاعة في صنعاء من بث القصيدة على حلقات لطولها كل حلقة بها 10 ابيات  .

أنا :

–         تعني ملحمة المجد والالم ومظالم الائمة  …دعني انقل منها ابياتا مختارة  :

أيا وطني جعلت هواك دينا وعشت على شعائره أمينا

ومن يفخر بمثلك يا بلادي فما يعنيه لوم اللائمينا

فنحن لهامة التاريخ تاج وإكليل يعيش به ضنينا

لقد نزل الرسول بهم فهبوا لنصرته جنوداً ثائرينا

فنال الدين أقصى ما يرجّى ونال محمد نصراً مبينا

فان يفخر بدين الله قوم عبيداً دوننا مستصغرينا

ولم نذكر مفاخرنا امتناناً ولكنا نصد المفترينا

يفاخر بالإمامة مستجيراً على التاريخ زور الكاذبينا

اننسى والغراب على الروابي ينقل من شهيد الأمس عينا

ألا ان الائمة لم يكونوا سوى فئة من المتثعلبينا

ولم يعد للأئمة غير ذكر  قبيح يزدريه الذاكرونا

الكوكباني :

–         كانت قصيدة ، اعادت لنا روحنا   .

انا :

–         تابع الاحداث استاذنا الفاضل .

الكوكباني :

–         بعد تشكيل السلال لحكومته تحرك لتعز لعزل جميع القيادات التي يظن انها ما تزال توالي العمري ، في ذات الفترة وصل من القاهرة الأستاذ محمد سالم باسندوة وسلم لي رسالة من القاضي الارياني فيها مختصر كلام يقول : انهم عائدون قريبا من القاهرة ، و وضح لي ان الاعتقال للعمري وحكومته بعد ان اشتد الحديث بينهم وبين الوزير شمس بدران و وصل الامر الى المسابة ، وهنا جاء الامر بالاعتقال  ، وطلب مني في الرسالة ارسال مبلغ مالي آخذها من الوالد الشيخ راجح ، وابلغني ان لا اهتم بموضوع السيارة والتي كانت قد احترقت ، وابلغني ان مصلحة اليمن اهم  من كل شيء، ابلغني بطلبه ( قشر البن ) اوصيه أيضا مع الفلوس بمناولة الأستاذ باسندوة ، يبدو ان القاضي اشتاق لقهوة القشر . نفذت طلبه واشتريت له 800 جنيه و بسعر الجنية 75 فلس يمني في ذلك الوقت ، الجنيهات كانت متوفرة بكثرة ، فحركة الشراء كبيرة من المنتجات الكمالية ثلاجات وغسالات وحلي وساعات وغيرها،  يشتريها ضباط مصريون وينقلونها الى القاهرة ، وقد نقل هذا أيضا الكاتب الأستاذ احمد سعيد الصحفي في الشرق الأوسط وإذاعة صوت العرب .

انا :

–         أرسلت ما طلبه القاضي ، وكيف رتبت امورك مع انقطاع المعاش عنك .

الكوكباني :

–         نعم أرسلت وكذا ابلغته بكل الاحداث التي حدثت وكان آخرها اعدام الرعيني وعدد من رفاقه ، وعن نفسي كنت اشتريت سيارة اوبل اقصد بها الله وعملت بها ، وهذا لم يمنع عني دوري في نقل جميع المراسلات والاعمال التي تربطني بالقاضي الارياني .

انا :

–         كنت استاذي رسول المهمات الصعبة قبل الثورة ، ولا زلت تقوم بهذا الدور في تلك اللحظات العصيبة ، سيدي  ان حديثنا اليوم قد اكتمل ولقائي بك يتجدد في الأسبوع القادم ان شاء الله . اشكرك واشكر الجميع بلا استثناء ، تحياتي ولنا لقاء ان كان في العمر بقية .

 

#اصلح_الله_بالنا

محبتي الدائمة

احمد مبارك بشير

29 أكتوبر 2016 

مقالات ذات الصلة